الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
129
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و بُرَآؤُا بهمزتين بوزن فعلاء جمع بريء مثل كريم وكرماء . وبريء فعيل بمعنى فاعل من برئ من شيء إذا خلا منه سواء بعد ملابسته أو بدون ملابسة . والمراد هنا التبرؤ من مخالطتهم وملابستهم . . وعطف عليه وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من الأصنام التي تعبدونها من دون اللّه والمراد برآء من عبادتها . وجملة كَفَرْنا بِكُمْ وما عطف عليها بيان لمعنى جملة إِنَّا بُرَآؤُا . وضمير بِكُمْ عائد إلى مجموع المخاطبين من قومهم مع ما يعبدونه من دون اللّه ، ويفسّر الكفر بما يناسب المعطوف عليه والمعطوف ، أي كفرنا بجميعكم فكفرهم بالقوم غير كفرهم بما يعبده قومهم . وعطف عليه وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً وبدا معناه : ظهر ونشأ ، أي أحدثنا معكم العداوة ظاهرة لا مواربة فيها ، أي ليست عداوة في القلب خاصة بل هي عداوة واضحة علانية بالقول والقلب . وهو أقصى ما يستطيعه أمثالهم من درجات تغيير المنكر وهو التغيير باللسان إذ ليسوا بمستطيعين تغيير ما عليه قومهم باليد لقلتهم وضعفهم بين قومهم . و الْعَداوَةُ المعاملة بالسوء والاعتداء . و الْبَغْضاءُ : نفرة النفس ، والكراهية وقد تطلق إحداهما في موضع الأخرى إذا افترقتا ، فذكرهما معا هنا مقصود به حصول الحالتين في أنفسهم : حالة المعاملة بالعدوان ، وحالة النفرة والكراهية ، أي نسيء معاملتكم ونضمر لكم الكراهية حتى تؤمنوا باللّه وحده دون إشراك . والمراد بقولهم هذا لقومهم أنهم قالوه مقال الصادق في قوله ، فالائتساء بهم في ذلك القول والعمل بما يترجم عليه القول مما في النفوس ، فالمؤتسى به أنهم كاشفوا قومهم بالمنافرة ، وصرحوا لهم بالبغضاء لأجل كفرهم باللّه ولم يصانعوهم ويغضّوا عن كفرهم لاكتساب مودتهم كما فعل الموبخ بهذه الآية . إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ .